محمد بن جرير الطبري

5

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

المشركون . وقوله : أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يقول تعالى ذكره : أو لم يكف بربك يا محمد أنه شاهد على كل شيء مما يفعله خلقه ، لا يعزب عنه علم شيء منه ، وهو مجازيهم على أعمالهم ، المحسن بالإحسان ، والمسئ جزاءه . وفي قوله : أَنَّهُ وجهان : أحدهما : أن يكون في موضع خفض على وجه تكرير الباء ، فيكون معنى الكلام حينئذ : أو لم يكف بربك بأنه على كل شيء شهيد ؟ والآخر : أن يكون في موضع رفع رفعا ، بقوله : يكف ، فيكون معنى الكلام : أو لم يكف بربك شهادته على كل شيء . القول في تأويل قوله تعالى : أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ يقول تعالى ذكره : ألا إن هؤلاء المكذبين بآيات الله في شك من لقاء ربهم ، يعني أنهم في شك من البعث بعد الممات ، ومعادهم إلى ربهم ، كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ يقول : في شك . وقوله : أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ يقول تعالى ذكره : ألا أن الله بكل شيء مما خلق محيط علما بجميعه ، وقدرة عليه ، لا يعزب عنه علم شيء منه أراده فيفوته ، ولكنه المقتدر عليه العالم بمكانه . [ تفسير سورة الشورى ] القول في تأويل قوله تعالى : حم عسق . . . الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في معاني حروف الهجاء التي افتتحت بها أوائل ما افتتح بها من سور القرآن ، وبينا الصواب من قولهم في ذلك عندنا بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع إذ كانت هذه الحروف نظيرة الماضية منها . وقد ذكرنا عن حذيفة في معنى هذه خاصة قولا ، وهو ما : حدثنا به أحمد بن زهير ، قال : ثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ، قال : ثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الحمصي ، عن أرطأة بن المنذر قال : جاء رجل إلى ابن عباس ، فقال له وعنده حذيفة بن اليمان ، أخبرني عن تفسير قول الله : حم عسق قال : فأطرق ثم أعرض عنه ، ثم كرر مقالته فأعرض فلم يجبه بشيء وكره مقالته ، ثم كررها الثالثة فلم يجبه شيئا ، فقال له حذيفة : أنا أنبئك بها ، قد عرفت بم كرهها ؛ نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الإله أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق ، تبنى عليه مدينتان يشق النهر بينهما شقا ، فإذا أذن الله في زوال ملكهم ، وانقطاع دولتهم ومدتهم ، بعث الله على إحداهما نارا ليلا ، فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت ، كأنها لم تكن مكانها ، وتصبح صاحبتها متعجبة ، كيف أفلتت ، فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد منهم ، ثم يخسف الله بها وبهم جميعا ، فذلك قوله : حم عسق يعني : عزيمة من الله وفتنة وقضاء حم ، عين : يعني عدلا منه ، سين : يعني سيكون ، وقاف : يعني واقع بهاتين المدينتين . وذكر عن ابن عباس أنه كان يقرأه " حم . سق " بغير عين ، ويقول : إن السين : عمر كل فرقة كائنة وإن القاف : كل جماعة كائنة ؛ ويقول : إن عليا إنما كان يعلم العين بها . وذكر أن ذلك في مصحف عبد الله على مثل الذي ذكر عن ابن عباس من قراءته من غير عين . وقوله : كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يقول تعالى ذكره : هكذا يوحي إليك يا محمد وإلى الذين من قبلك من أنبيائه .